عناوین:

التلاعب بقيمة الدينار هو تلاعب بمصير الاستقرار في العراق

PM:05:52:27/02/2022
2988 مشاهدة
د.اراس حسين دارتاش
+ -

في البدء .. اثبتت التجارب العملية ان ثبات واستقرار في قيمة العملة الوطنية للدولة، ولا سيما في معظم الدول التي تنتهج ما يعرف بنظام سعر (الصرف الثابت) لعملتها الوطنية مقابل الدولار أو اية عملة اجنبية اخرى، وبضمنها دولة العراق، يلعب دورا أساسيا في الاستقرار الاقتصادي بجوانبه الإنتاجية والتجارية والمالية اضافة الى خلق نوعا من الاستقرار في الاوضاع السياسية والاجتماعية والمعاشية والمعنوية للمواطنين، ولاسيما بالنسبة لفئات من ذوي الدخول المحدودة.

وبعكسه، في حالة حصول تقلبات متناوبة في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملة الأجنبية، مثلا، في حالة احداث اي تغيير رسمي في  سعر صرف الدينار العراقي من قبل السلطة النقدية العراقية مقابل  الدولار الامريكي، ارتفاعا تارة وانخفاضا تارة اخرى، و لاسيما خلال فترات قصيرة او متقاربة من الزمن لا تتجاوز أشهرا او سنة، فان هذا التغيير المفترض سيحدث إرباكا ملحوظا في اوضاع الأسواق والأسعار والعمليات الإنتاجية والتجارية والاستثمارية والحالة المعاشية للمواطنين بصورة او الاخرى.

و قبل كل شيء، نحن هنا لا  نريد  ان ندخل في تفاصيل موضوع الأسس والطرق النقدية والمالية المتبعة في تحديد سعر صرف العملة الوطنية ازاء العملات الأجنبية حسب الانطمة الاقتصادية المتبعة  للدول ومرحلتها، وكما هو معروف وحسب التجارب، لكل نظام متبع في تحديد سعر الصرف الأجنبي مساوىء ومحاسن او سلبيات وايجابيات، تحاول الدولة المعنية، من خلال نظام الصرف المتبع،  ان تفاضل بينهما لصالح تحقيق الاستقرار الاقتصادى والمعاشي للمواطنين.

ما نريد ان نتوصل اليه بهذا الصدد، باختصار، ان العراق هو من الدول التي تتبع ما يعرف بنظام (سعر الصرف الثابت) لقيمة الدينار مقابل قيمة الدولار الامريكي منذ تغيير النظام السياسي في عام ٢٠٠٣م ولحد الان.

ودون الخوص في التفاصيل، رغم كل الأحداث الدراماتيكية التي شهدها العراق منذ السنة المذكورة اعلاه ولغاية نهاية عام ٢٠٢٠م،  الا انه وكما يبدو للجميع، كان لعامل ثبات سعر صرف الدينار مقابل الدولار في الفترة السابقة دورا واضحا في خلق نوع من استقرار ملحوظ في اوضاع الأسواق والأسعار والمعاشية للمواطنين.

وعندما وافقت الحكومة على اقتراح وزارة المالية والبنك المركزي بخصوص إقرار (تخفيض) قيمة الدينار ازاء قيمة الدولار في ٢١ من الكانون الاول ٢٠٢٠م،  من ١١٩٠ الى ١٤٥٠ دينار مقابل دولارا واحدا، على أساس ان هذا الاجراء هو من الاجراءات  الاقتصادية المتبعة من قبل وزارة المالية والحكومة لاجل تحقيق إصلاحات اقتصادية منشودة من قبل الحكومة الحالية.

قد يكون قرار تخفيض قيمة الدينار المذكور صحيحا حسب الأسس الاقتصادية المتبعة، وذلك عندما تخطط الحكومة لتسديد ومعالجه العجز المالي والنقدي ولتحسين وضع الموازنة العامة وتلبية النفقات العامة والمحافظة على الاحتياطي من النقد الأجنبي ومنع تهريب العملة وترشيد كلفة الاستيرادات وتعزيز وضع الصادرات والمنتجات الوطنية وميزاني التجاري والمدفوعات الخارجية.. الى اخره من المزايا المتحققة من اجراء تخفيض قيمة الدينار.

خلاصة القول.. في الوقت الذي لا اسمح لنفسي ان انتقد هذا الاجراء  الحكومي او أدحض الإيجابيات المتحققة منه لصالح الاقتصاد والحكومة وأداءها لمواجهة تلك المشاكل، الا انه كان لهذا الاجراء آثارا سلبية وكارثية جدا على جميع العراقيين من ذوي الدخول المحدودة، حيث سبب فعليا في فقدان أو ضياع جزء ملحوظ من (دخولهم النقدية) اي في رواتبهم واجورهم بنسبة تقدر بـ (٢٢٪) من قيمتها الشراىية الحقيقية  و بنسبة  تقدر بـ (٨٪) اكثر او اقل منها بسبب حصول التضخم في المستوى العام لاسعار معظم السلع والخدمات المحلية، وكذلك بسبب ارتفاع كلفة المستوردات من السلع، وإضافة الى حصول اضطرابات حقيقية في اوضاع الأسواق  العراقية الحالية والتجارة الداخلية والخارجية وتزايد عمليات المضاربة بالعملات، ناهيك عن حصول ازمات واضطرابات اجتماعية وسياسية متواصلة وفقدان تدريجي للسيطرة الحكومية على امور الدولة المختلفة.

على اي حال.. عند اتباع نظام سعر الصرف الثابت للعملة الوطنية، كما هو الحال في العراق، فان اي قرار بخصوص (رفع او تخفيض) قيمة العملة مقابل العملة الأجنبية الصعبة كالدولار وان لم تراع بشأنه الأوضاع الاقتصادية والمعاشية والاجتماعية والسياسية للبلد، فلن يؤدي الا الى المزيد من الفوضى في جميع الاصعدة الحكومية والدولة معا، وان هذا الاجراء يتطلب من الحكومة ان تتصرف بصورة علمية وصحيحة لإعادة الاقتصاد الى وضع (توازني جديد) بموجب السعر الصرف الجديد لصالح الاقتصاد والمواطن معا وذلك عندما تكون هناك ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية، تجبر حكومة تصريف أعمال الحالية او اي حكومة قادمة، لاتخاذ  قرار اخر لرفع قيمة الدينار مقابل الدولار مرة اخرى والغاء قرار  الكانون الاول ٢٠٢٠م، وان تعمل بجد على تجنب الشعب العراقي ويلات و كوارث إضافية من جراء اي تغيير مرتقب لسعر صرف الدينار.

ختاما.. ان العبرة في اتخاذ اي قرار اقتصادي قادم، بشان رفع او تخفيض سعر صرف الدينار، هو بالنتائج المتحققة منه مستقبلا والتي تنعكس على احوال المواطنين بالإيجاب.

البوم الصور