الميليشيات ومعضلة الدولة العراقية!
AM:10:22:02/04/2025
520 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+
-
تتردد أنباء عن محاولة قوى الإطار التنسيقي (التي تضم القوى الشيعية المهيمنة على مجلس النواب العراقي بينها الميليشيات الممثلة فيه رسميا) الى اتفاق مبدئي «يقضي بدمج الفصائل المسلحة بالحشد الشعبي والتزام الجميع بأوامر القيادة العسكرية العليا»، كما يتضمن الاتفاق عدم التعرض للمصالح الأمريكية في العراق، وإيقاف العمليات خارج الحدود».
وهذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها محاولة ضبط هذه الميليشيات؛ فقد أصدر رئيس مجلس الوزراء الأسبق الدكتور حيدر العبادي عام 2016 أمرا ديوانيا بالرقم 91 لهذا الغرض، وقد شكل المتن الرئيسي لقانون هيئة الحشد الشعبي الذي شرع في السنة نفسها وجاء مهلهلا، فالغاية منه لم تكن محاولة ضبط هذه الميليشيات، بل مجرد شرعنتها.
وهو ما دفع الدكتور العبادي نفسه إلى إصدار أمر ديواني ثان في آذار/ مارس 2018 نحو مزيد من الضبط. وأصدر رئيس مجلس الوزراء اللاحق عادل عبد المهدي في تموز/ يوليو 2019، أمرا ديوانيا آخر بالرقم 237 في السياق نفسه، لكن هذه المحاولات كلها واجهت فشلا ذريعا.
في ولاية رئيس مجلس الوزراء اللاحق مصطفى الكاظمي وصل الأمر إلى مواجهة مفتوحة بينه وبين هذه الميليشيات، بعد محاولته منعها من استهداف السفارة الأمريكية في بغداد، واعتقاله مجموعة من أفرادها كانوا يستعدون لاستهدافها في حزيران/ يونيو 2020، ثم اعتقاله قياديا في الحشد الشعبي بتهمة اغتيال أحد الناشطين في احتجاجات تشرين عام 2019.
لكن المواجهة انتهت عمليا بانتصار هذه الميليشيات بعد إطلاق القضاء العراقي سراح هؤلاء الموقوفين، لتصل هذه المواجهة ذروتها بمحاولة اغتيال الكاظمي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021!
لم يكن الفشل في «ضبط» هذه الميليشيات، وفك ارتباطها بمرجعياتها السياسية والحزبية والاجتماعية، مرتبطا بقوتها الذاتية، بل بسبب الغطاء السياسي الذي يتوفر لها من الفاعلين السياسيين الشيعة، وعلى جميع المستويات، في السلطة وخارجها.
فهي لم تتشكل بناء على فتوى «الجهاد الكفائي» التي أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني في 13 حزيران/ يونيو 2014، كما تقول السردية المراد تسويقها، لأن الفتوى نصت على التطوع في الأجهزة الأمنية حصرا، أما هذه الميليشيات فقد تشكلت قبل الفتوى أساسا بداية من منتصف العام 2012، وكان لها حضور عسكري فعلي على الأرض بداية منذ بداية العام 2013 (كان اول ظهور لميليشيا لواء أبو الفضل العباس وكتائب «حزب الله» وكتائب سيد الشهداء في سوريا في بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو من عام 2013).
وفي محضر اجتماع للتحالف الوطني ضم حينها كل القوى الشيعية في مجلس النواب بداية العام 2014، تحدث رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي عن خطة الاعتماد على «مجاميع أبناء العراق من المجاهدين»، وأضاف «شكلنا 20 مجموعة في أطراف بغداد إلى الآن، ونحن مستمرون لأن هذه المجاميع أفضل من الجيش وكانت التسمية المبدئية لهذه القوات هو: «سرايا الدفاع الشعبي».
كما أن مراجعة المحاضر الرسمية لمجلس الوزراء العراقي تكشف عن قرار بالرقم 301 بتاريخ 11 حزيران/يونيو 2014، يخول رئيس مجلس الوزراء بتنظيم «صفوف المتطوعين وصرف رواتبهم وتجهيزاتهم»، وهو ما تحقق في الأمر الديواني الذي أصدر المالكي في اليوم التالي، أي قبل صدور الفتوى!
ليس ثمة مؤشرات حقيقية حتى اللحظة على أن الفاعلين السياسيين الشيعة، ومن خلفهم إيران، مستعدون للتخلي عن الميليشيات، بالأخص اليوم مع التغيير في سوريا الذي يشكل، في اعتقادهم، تهديدا حقيقيا للحاكمية الشيعية في العراق
كل هذا يكشف أن هذه الميليشيات، والحشد الشعبي المؤسسة التي شرعنت وجودها، لم تشكل بالأساس للدفاع عن الدولة، بل شكلت للدفاع عن الحاكمية الشيعية التي يتبناها الفاعلون السياسيون الشيعة جميعهم.
وهذا ما مكنها من أن تشكل دولة موازية عبر استغلال مؤسسات الدولة الرسمية؛ فهي تمول من المال العام، وتمتلك حصة من الموازنة العامة منذ 2015 (أي قبل أن يكون وجودها قانونيا) لكن المفارقة أنها لا تأتمر أصلا بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، بل لديها «قياداتها» الدينية والحزبية، وأن النسبة الأعظم من هذه الميليشيات تعترف علنا بأنها تؤمن بالولاية العامة لعلي الخامنئي، المرشد الأعلى في إيران، وهي ملزمة بطاعته من الناحية العقائدية طاعة مطلقة بوصفه وليا للإمام الغائب.
ومن ثم، فان القرار الإيراني حاسم هنا، وأي قرار يتعلق بهذه الميليشيات غير قابل للتطبيق دون الموافقة الإيرانية، وإيران حتى هذه اللحظة ليست مستعدة للتخلي عنهم!
أما الأمر الثاني فهو أن قادة هذه الميليشيات باتوا يشكلون اليوم كارتلا ماليا ضخما، بسبب الموارد التي يحصلون عليها من الدولة ويتصرفون بها من دون رقيب (لا أحد يعرف العدد الحقيقي لهذه الميليشيات، وهي ترفض رفضا قاطعا إطلاع أحد على تلك الأعداد، بل إنهم يرفضون تزويد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بتلك الأعداد لتنظيم السجلات الانتخابية لهم رغم أن ذلك من اشتراط القانون) ومن خلال ما يتحصلون عليه عبر ابتزاز الوزارات ومجالس المحافظات للحصول على العقود.
وهم مدركون تماما أن تخليهم عن هذه الميليشيات، يعني فقدانهم لهذه الموارد التي تمكنهم من تحصين أنفسهم سياسيا عبر إيصال ممثلين عنهم إلى مجلس النواب وإلى السلطة التنفيذية.
في مقال سابق قلنا إن زلزال سوريا الجيو سياسي سيكون له ارتدادته عراقيا، لاسيما أنه يأتي مصحوبا مع ضغط أمريكي صريح تجاه إيران ووكلائها، وأن هذا التأثير لن يقف عند الحدود المالية والاقتصادية (المتعلق بالتقييدات على البنك المركزي العراقي أو المتعلق بواردات العراق من الغاز والكهرباء الإيرانيين). حيث ثمة قرار أمريكي صريح هذه المرة بعدم إبقاء هذه الميليشيات على ما هي عليه (مع أن الولايات المتحدة تواطأت في مرحلة ما مع الميليشيات العراقية بين عامي 2014 و 2019).
ليس ثمة مؤشرات حقيقية حتى اللحظة على أن الفاعلين السياسيين الشيعة، ومن خلفهم إيران، مستعدون للتخلي عن الميليشيات، بالأخص اليوم مع التغيير في سوريا الذي يشكل، في اعتقادهم، تهديدا حقيقيا للحاكمية الشيعية في العراق ولا يقل خطرا عن داعش نفسها.
ولا أعتقد أن هناك إرادة حقيقية لحل هذه الميليشيات، أو دمجها في القوات المسلحة العراقية، وهما الحلان الوحيدان المنطقيان، لأن الحديث عن إعادة هيكلة الحشد الشعبي، أو انضمام «فصائل المقاومة» إليه (هذه كذبة أخرى تسوق مفادها أن فصائل المقاومة هذه ليست جزءا من الحشد الشعبي في محاولة للتحايل على طبيعتها المزدوجة «قوات رسمية وغير رسمية»، وولائها المزدوج «عراقيا وإيرانيا»، ونطاق عملها المزدوج «وطنيا وعابرا للحدود») والتزام الجميع بأوامر القيادة العسكرية العليا، هو تدليس وطرح غير قابل للتحقيق، وبعيد تماما عن واقع نفوذ هذه الميليشيات اليوم.