عناوین:

إقليم كوردستان... بين الصراع والإفلاس السياسي

7/26/2020 8:14:47 AM
6446 مشاهدة
جمال بيره
+ -

في الوقت الذي يمر به العراق وعموم المنطقة بمرحلة صعبة جدا نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية، ويتابع الجميع الاخبار بشغف وتلهف في انتظار حدوث تغيير جذري، لم نتلمس الى الان الخيوط التي تعطينا إشارة الاطمئنان على المستقبل وتضيء طريقنا اليه.
وفيما تتفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية في اقليم كوردستان يوما بعد آخر، وتسير الأوضاع فيه من سيء إلى أسوأ، وتعصف بالإقليم أزمة مالية خانقة، أدت الى عدم قدرة حكومته على دفع رواتب الموظفين لأشهر، ومع تراكم المشاكل مع الحكومة الاتحادية في بغداد وبقائها دون حل، بل وتدهورها بين فترة واخرى، وبينما يتوغل الجيش التركي في الإقليم وتتعمق الصراعات والمشاكل في المنطقة وتتزايد احتمالات نشوب نزاعات مسلحة، يشتد الصراع بين الأحزاب الكردية المتنفذة.
ذلك الصراع الذي شهد مؤخرا تغيرا في مساراته وأدواته، ما أثار قلق المواطنين، خاصة بعد ان حولت الاحزاب المتنفذة وسائل التواصل الاجتماعي الى مساحات للفتنة والاستقطاب وساحات للتصفية السياسية ووسيلة للسب والشتم والقذف وأداة للتهديد بين أنصار الأحزاب المتصارعة.
ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي، بين كوادر وأنصار الأحزاب (خصوصا الديمقراطي والاتحاد الوطني) لا يمكن تسميته بالصراع السياسي، بل هو ربما يمثل دلالة على الإفلاس السياسي، فضلا عن انها محاولة للهروب من المشاكل الأساسية التي يعاني منها الشعب، خصوصا في هذا التوقيت العصيب، ومع المؤشرات المتزايدة بأن هذه المشاكل على وشك الانفجار.
كل ما يجرى الان على مواقع التواصل، وخاصة فيسبوك، بين أعضاء وأنصار أغلبية الأطراف السياسية في كوردستان يعتبر إساءة للمواطنين، وهو ما فجر استياء واسعا في الأوساط الشعبية. ويبدو أن الهدف من خلق هذه الصراعات هو ليس فقط إيجاد عمل لأولئك الذين لديهم امتيازات مختلفة ويتقاضون رواتب حزبية منذ سنين دون عمل حقيقي، بل تصعيد التوتر وصولا الى مواجهة مفتوحة يعتقد كل طرف انه سيخرج منها منتصرا ويفرض شروطه!
الغريب في هذه المسألة، ان هناك عددا لا بأس به من أنصار وكوادر الاحزاب المتنفذة يعلنون استعدادهم لخوض هذه الحرب، وهذه هي دلالة مرعبة على عدم استفادتهم من تجارب ودروس التأريخ، فهم مستعدون للدخول الى حرب الاخوة الأعداء بمجرد ايحاء من قاداتهم! هؤلاء لا يعرفون ان التاريخ لا يرحم من لا يستفيد من الماضي!.
الكثير من المؤشرات تدل على رغبة بعض كوادر الحزبين في إعادة الصراع الى ما كان عليه في تسعينات القرن الماضي، بدءا عن طريق الحرب الإعلامية المحتدمة بين الطرفين، وسط مخاوف في الشارع من إمكانية تطور الخلاف الى مواجهات واقتتال داخلي.
ويبدو أن الاصرار على هذه الحرب في مواقع التواصل الاجتماعية يعود الى سببين رئيسيين، أولا: الغاء اجتماع قيادة الحزبين المقرر انعقاده في الأيام القليلة المقبلة بمدينة أربيل، ثانيا: قد يكون ضغوطات لفرض معادلات جديدة مع الحكومة الاتحادية، وربما تشكل ملفات تسليم المصادر المالية والجمارك والملف النفطي، دافعا غير مباشرا لنشوب هذه الحرب العبثية.
ما يحدث من حروب اعلامية وتبادل للاتهامات، أمر مخجل، وفي وقت تعاني عشرات آلاف العوائل من الفقر بسبب الوضع السيء، فان الأحزاب منشغلة بتبادل الشتائم والتناحر، والكل يعلم انهم يصرفون مبالغ هائلة كي يشتموا بعضهم البعض.
ربما يحاولون خداع الناس والهاءهم كي لا يلتفتوا الى التقصير الإداري والفشل الاقتصادي وعدم تأمين ضروريات الحياة، وربما يريدون جذب أكبر عدد ممكن من المواطنين الى هذه الصراعات التي تبعد الناس عن التفكير بمطالبهم وحاجاتهم الأساسية.
الحقيقة الواضحة ان الحزبين شركاء في إدارة الإقليم، ومنذ سنين وجودهم مرتبط بمصلحتهم الحزبية والشراكة القائمة على أساس تقسيم السلطة فيما بينهما. والحزبان اذا كان لديهم رغبة في خوض الصراع السياسي -واذا توفر أصلا وقت كافي لذلك ولم تحدث تغييرات مفاجئة- فعليهم خوضه بأسلحة جديدة، لا أن يلجأوا الى ذات الشعارات والخطابات والوجوه القديمة، كي يوصلوا الوضع الى الهاوية!
الوقت يضيق وعلى الحزبين الشريكين مراجعة مواقفهم والتفكير في حياة الشعب الكردستاني، ووقف صراعاتهم الحزبية ومعاركهم الاعلامية التصعيدية، والا فانهم سيقفون أمام مصير مجهول ونهاية حتمية بعد تراكم حلقات الفشل خلال العقود الثلاثة الماضية!

البوم الصور