عناوین:

عن فقيدنا هشام

7/7/2020 12:48:52 PM
5989 مشاهدة
رياض محمد
+ -

قضيت حوالي عام ونصف بعد وصولي نيويورك في حياة استكشافية ملئها المتعة وعدم الاكتراث بأي شأن عام. قررت بعدها الاستقالة من عملي والعودة الى الكتابة. وهكذا قضيت سنة ونصف وانا اتمرن على الكتابة (لنفسي) حتى حزيران 2014.

في فجر احد الايام , صعقت وانا اقرأ خبر انهيار الدفاعات الحكومية في الموصل وسقوط المدينة بيد داعش. حينها لاحظت عودة اهتمام الصحافة الغربية بالعراق وعودة اخطاء هذه الصحافة المبالغ في اهميتها ايضا.

وهكذا كتبت اول مقالاتي في اميركا عن اخطاء الصحافة الغربية في تناول حدث سقوط الموصل ونشر في احد المواقع المتخصصة في تقييم الصحافة واخلاقياتها. بعدها كتبت مقالا ونشرته في موقع اخر عن الظهور الاول للبغدادي واخر عن نهاية حكم المالكي.

في ذلك الوقت لم يكن المرحوم الشهيد هشام معروفا كما اصبح فيما بعد. وكانت رغبتي ان اكتب مقالا عن هيكلية تنظيم داعش الذي لاحظت ان هشام كان خبيرا بحق في شؤونه. لكن صحفية من صحيفة الديلي تلغراف سبقتني لذلك.

 وبعد بضعة حوارات فيسبوكية بدأت اتعرف عليه اكثر واكثر واكتشف مدى تواضعه وادبه الجم بقدر ما يعرف عنة من غزارة معلوماتية في شؤون الجماعات المسلحة السنية وداعش من بينها. ميزته عبارة (ايها الحبيب) التي يعرفها كل من تعامل معه عن قرب.

 حينها نشرت مقالا ناقضت فيه (هراء) التحليلات الاميركية عن اعداد اعضاء تنظيم داعش وقلت فيه مستندا الى هشام وخبراء اخرين ان عدد اعضاء التنظيم كان 100 الف.

 بعد ذلك قررت انني اريد ان اكتب عن الية صنع القرار في هذا التنظيم. وهكذا ضايقت هشام حتى ظفرت منه بما يظنه نظام صنع القرار لدى داعش. وكان الية متعددة من ثلاث مستويات. ثم استعنت بمجموعة اخرى من الخبراء والاصدقاء لاكمال المقال المطول كان منهم على سبيل المثال الاساتذة نبراس الكاظمي وحارث حسن ولؤي الخطيب وغيرهم.

 وبعد اسابيع قليلة اكتمل المقال وقررت نشره في موقع اخباري ثالث. حينها طلب مني المحرر التنفيذي للموقع الحضور الى مقر الموقع في قلب مانهاتن في نيويورك لمقابلة رئيسة التحرير وللاستعجال في نشره. قابلتهما وكانت اولى كلماتها لي: انك خبير! اجبتها: احاول ان اكون كذلك.

 نشر المقال في اليوم التالي. واتصلت بي رئيسة التحرير لتدعوني لتناول الفطور معها والمحرر التنفيذي. وكانت عطلة نهاية الاسبوع وهو امر غير اعتيادي.

 حينها سألتني: هل تعلم ما حدث؟ اجبتها: ماذا؟ قالت لقد اعيد نشر مقالك في اكثر من 100 مؤسسة اخبارية بما فيهم شبكة ان بي سي التلفزيونية الامريكية والهافنغتون بوست ومواقع اخبارية كثيرة اخرى امريكية وغير امريكية. لقد قرأ نصف مليون انسان مقالك خلال ساعات في موقع ياهو وحده.

 لم يكن لدي ادنى فكرة عن كل ذلك. كان ذلك المقال اول دراسة منشورة بالانكليزية لألية صنع القرار لدى داعش عبر استعراض كل القرارات المهمة التي اتخذها التنظيم منذ قرارالهجوم على الموصل وحتى منتصف شهر تشرين 2014. وهنا دخلت رئيسة التحرير في صلب الموضوع قائلة: نريد توقيع عقد معك لتكتب مقالين او ثلاث في الاسبوع عن داعش والعراق والشرق الاوسط والجماعات الاسلامية وعن الحرب في سوريا والعراق وعن الامن القومي الاميركي. وقد عرضت صفقة جيدة مقابل ذلك.

 اجبتها بلا تردد: استطيع فعل ذلك.

 بعد ذلك وعلى مدى سنوات كتبت عشرات المقالات عن داعش وعن العراق والشرق الاوسط والامن القومي الاميركي لذلك الموقع ومؤسسات اخرى كثيرة كان بينها شبكة ان بي سي ومجلة فورين افيرز. والتقتني صحف وقنوات تلفزيونية ومحطات اذاعية اميركية وغير اميركية. والقيت محاضرات في جامعات كولومبيا ونيويورك وجنوب كاليفورنيا وفي منظمات مثل العفو الدولية وشركات كبرى...الخ.

 كان الفقيد هشام حاضرا في اغلب ما كتبت من مقالات. وبسبب (افراطي) في الاستعانة به كانت رئيسة التحرير تحذرني احيانا انني قد اخسره يوما. ماذا لو قتل؟ سألتني مرة. وددت ان اجيبها بالعامية العراقية: معناها نديح كلنا!

 وخلال هذه السنوات اتصل بي الكثير من الزملاء الصحفيين الغربيين طالبين مني (ربطهم) بهشام او تزويدهم برقم هاتفه او ايميله.

 وخلال تلك السنوات ايضا حصل هشام على مكانته التي يستحقها بغزارة معلوماته وبقلمه المتميز وبنى قاعدة من المتابعين لصفحته عين العراق وغدا نجما تلفزيونيا دائما لدى القنوات الاخبارية العربية ومصدرا اساسيا لدى الصحافة الغربية والعربية في اغلب القصص الاخبارية عن داعش والعراق.

 وكنت حينها انسخ والصق كل ما يكتبه هشام عن داعش في صفحته على الفيسبوك في ملف وورد - لكي اعود اليه عند الحاجة. وتضخم هذا الملف حتى صار اكبر ملف في حاسبتي! ورغم ذلك كنت ازعجه فأسأله ان كان يذكر المقال الفلاني عن الشخصية الفلانية في الشهر الفلاني فيستجيب الرجل ويرسله الي دون تأفف من لجاجتي.

 اما كتابه (عالم داعش) فلعلي قرأته ثلاث مرات وبعض فصوله عشر مرات!

 وكنت الاحظ دوما ان هناك الالاف من المدعين بانهم (خبراء) في شؤون داعش. وكانت قناعتي ولازالت ان هناك خبيرين فقط. هشام الهاشمي في العراق وايمن جواد التميمي في سوريا.

 ما يثير الانتباه في اغتيال هشام ان الرجل الذي كشف كل شيء عن تنظيم داعش من الداخل للعالم كله لم يقتل خلال السنوات الثلاث المرعبة والدامية في حرب العراق مع التنظيم. لكنه قتل الان وقد تمتع العراق وبغداد بأمن نسبي لابأس به.

 ومن خلال ملاحظة فديو الاغتيال يبدو الحادث وكأنه نسخة طبق الاصل من حوادث اغتيال ناشطي ثورة تشرين. وقد استفسرت من بعض الصحفيين الاصدقاء واكدوا لي ان هشام هدد مؤخرا وان كلام الشيخ غيث التميمي ليس بعيدا عن الحقيقة.

 بغياب هشام القسري المؤلم لنا جميعا خسر العراق والتحالف الدولي ضد داعش ما يمكن ان اصفه بوحدة المعالجة المركزية لهذا التحالف. لا ابخس هنا الجنود المجهولين من خبراء داعش لدى اجهزة الامن العراقية وغير العراقية. لكن الشهيد هشام كان يوازي بما يملكه من علم وخبرة في شؤون داعش عمل لواء او فرقة كاملة في جهاز مكافحة الارهاب. وكانت خبراته توظف لدى اجهزة الامن والمخابرات العراقية في التحقيق مع قادة داعش المعتقلين. كما كانت مشورته تطلب في مجلس الامن الوطني العراقي. كما كانت ابحاثه تنشر في مراكز ابحاث عراقية وعربية واجنبية. وكان قلمه اشد على داعش من الرصاص والقذائف. وكانت صفحته منارة للحقيقة لملايين العراقيين والعرب والاجانب حول العالم.

 خسارة هشام دليل اخر على مدى غباء الحكومة العراقية والاحزاب الحاكمة. فقد كان بأمكانه العمل في اي مكان في العالم لو اراد. ولكان بسهولة رئيسا لمركز لدراسات الارهاب او التطرف لو شاء ذلك. واذكر كيف رشحه العراقيون في ما يشبه الاجماع لتولي منصب وزير الداخلية خلال حقبة حكومة العبادي ورفض الرجل ذلك متعللا بعدم رغبته بالعمل الاداري. لكنه اختار ان يكون في العراق - حيث حلت لعنات السماء منذ 40 سنة - وان يعيش ببساطة وبلا تكلف. وقد دفع ثمن ذلك ودفع العراق كله هذا التمن.

 رحم الله هشام الهاشمي والهم اسرته ومحبيه الصبر والسلوان. فقد غمرت افضاله كل صحفي عراقي وعربي واجنبي. وانا شخصيا مدين له بالكثير الكثير. كان بحق معلمنا جميعا.

البوم الصور