عناوین:

الكاظمي والأفاعي

10/24/2020 8:45:31 AM
2262 مشاهدة
مصطفى فحص
+ -

"أنا على حبل معلق بين بنايات كبار، لست مضطرا للمشي على الحبل فقط وإنما لركوب دراجة على الحبل، أرقص كل يوم مع الأفاعي لكنني أبحث عن مزمار أستطيع من خلاله التحكم بالأفاعي، فالصبر أفضل من الدخول في فوضى دموية وحرب أهلية، ألف سنة من الحوار أفضل من لحظة تبادل لإطلاق النار". هذا التصريح لرئيس الوزراء العراقي الكاظمي عبر الغارديان البريطانية في ختام جولته لمثلث القرار الأوروبي (فرنسا، ألمانيا بريطانيا)، لكن يبقى للعاصمة البريطانية لندن عند الساسة العراقيين معنى خاص.
بالرغم من النفوذ والحضور الأميركي الهائل في العراق منذ 2003 بعد قرار جورج بوش تغيير الثوابت السياسية التي فرضتها بريطانيا على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ما بين الحربين العالميتين، وعملها مع فرنسا على تحويل الولايات العثمانية إلى دول مستقلة، حيث كان العراق الحديث بحدوده الحالية أحد أبرز نتائجها سنة 1921، لا يزال الوعي الجماعي للنخبة العراقية يعتبر أن بريطانيا هي الدولة الاستعمارية الوحيدة التي تعرف معنى العراق وتركيبته الاجتماعية والثقافية والدينية العشائرية والإثنية.
لعل الكاظمي في حديثه للغارديان أراد لفت انتباه الإنكليز إلى معاناة من يكون على رأس الدولة من تلك القبائل والجماعات والحواضر التي روضتها بريطانيا عندما أعلنت انتدابها وفرضت عليها الانضمام إلى الكيان الجديد، إلا أن كلام الكاظمي يوحي أن تلك القبائل والجماعات والإثنيات قد تحولت إلى عشائر متصارعة وأحزاب دينية ومجاميع مسلحة وحواضر شبه مستقلة وقبائل متنازعة جهويا وعقائديا، وأصبحت كالأفاعي تحتاج إلى حاو صبور في ترويضها.
تعود سياسيا مقولة الرقص مع الأفاعي إلى الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ففي حوار أجراه الصحفي اللبناني خيرالله خيرالله على هامش حفل توقيع كتابه "حرائق اليمن ـ من انهيار دولة الجنوب إلى انهيار الدولة" عن علاقته الشخصية والطويلة مع الرئيس صالح أنه سأله مرة كيف ستحكم اليمن بعد أحداث 1994، فأجاب صالح "سوف أرقص فوق رؤوس الأفاعي"، لكن خيرالله يختم كلامه بالقول إنه على الرغم "من حرص علي عبدالله صالح في النهاية وجدت أفعى تلدغه"، والأزمة أن هذه الأفاعي التي اعتقد صالح أنه استطاع ترويضها، جاءت من الجحر نفسه الذي جاءت منه الأفاعي التي يحاول الكاظمي إما ترويضها أو الرقص معها.
الواضح إيجابيا أن السلطة والحُكم لم يغيرا في طبائع الكاظمي، وهو لم يزل متمسكا في وسطيته واعتداله، لذلك يقول إنه يبحث عن مزمار يساعده على التحكم بهذه الأفاعي، وكان الكاظمي اشتكى في لندن أن ظروف العراق وضغوط الأصدقاء والأعداء تحول السياسي إلى حاو مهدد دائما بلدغ الأفاعي القاتلة.
أثبتت التجربة أن الرقص مع سياسيين يتصرفون كالأفاعي لا يمكن أن تخرج منها إلا مصابا بلدغة، وهذا ما جرى مع أغلبهم، ومن أشهرهم شيخ الحواة في صعيد مصر ستينيات القرن الماضي، المعروف بموسى الحاوي وكما كاد أن يحدث مع بطل رواية "الأفعى الزرقاء" للأديب المغربي الطاهر بن جلون. فالحاوي في رواية بن جلون كان يراقص الأفاعي أمام السُّياح، كما يحاول الكاظمي مراقصة السياسيين في العراق، لكن بطل رواية بن جلون كاد أن يفقد اليقين ويموت من لدغتها لأن أفاعيه لا تستجيب لموسيقاه.
طبيا هناك جدل بين العلماء حول نظام السمع لدى الأفاعي والثعابين، ويجمعون أنه يختلف تماما عن البشر والحيوانات الأخرى التي لديها أذان، لذلك لا تعتمد الأفاعي في سمعها على الطريقة التي تعتمدها غيرها من الزواحف بل تستعين بالحواس الأخرى، هذه الحواس التي لا تسمع المزمار أو لا تريد سماعه، فإن حواسها الأخرى قد تشعر بالألم من ضربة العصا مثلا، وهذا ما تؤكده الميثولوجيا الهندية "الغانا" بأحد أمثالها بأن "بالرغم من صغر حجم الثعبان فلا يزال من الحكمة ضربه بعصا كبيرة".
يقول الهنود إن الأفاعي تحول الحليب إلى سم، وهذه الأفاعي حولت حليب وتمر وماء ونفط وهواء العراق إلى سموم، وهي ومنذ الأول من تشرين (أكتوبر) خرجت للدفاع عن جحورها في الدولة، ولن تترد في لدغ من يفكر في اصطيادها وترويضها أو قراءة تعويذة عليها، فالعازف على المزمار يتوقف عادة لالتقاط أنفاسه، لكن الأفعى تبقى مهتابة للنيل منه عندما تسنح لها الفرصة.
لم يمر الكاظمي بتجربة يسارية أو شيوعية، لكن لديه أصدقاء مخلصين مروا بهذه التجربة، وعلى الأغلب قرأوا كثيرا عن نظرة كارل ماركس عن نشأة التاريخ وخصوصا قوله بأن "العنف قابلة التاريخ فمن رحمه تولد الإمبراطوريات"، أما طموحات الشعب العراقي تنحصر بولادة الدولة فقط، وهذا الشعب الذي أرهقته الانقلابات والحروب والعنف يرغب بعصا غليظة تضعها إلى جانبك وأنت تعزف على المزمار، لكن يا صديقي على من تعزف مزاميرك.

البوم الصور